ابن عربي
35
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ إشارة : لم أمر الحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يقول « قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » ] فكان ذلك من التأديب الإلهي الذي أدب اللّه تعالى به نبيه عليه السلام فيما أوحى به إليه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : [ إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ] يعني لنفسه ولحق غيره ، [ وأرضى كما يرضى البشر ] يعني لنفسه ولغيره ، ويعني أن أغضب عليهم وأرضى لنفسي [ اللهم من دعوت عليه فاجعل دعائي عليه رحمة له ورضوانا ] ثم ذكر المرتبة وهو قوله « يُوحى إِلَيَّ » ولما كان صلّى اللّه عليه وسلم لم تؤثر فيه المراتب إذا نالها ، قال وهو في المرتبة العليا [ أنا سيد الناس ] وفي رواية [ أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ] فنفى أن يقصد بذلك الفخر ، لأنه ذكر الرتبة التي لها الفخر الذي هو صلّى اللّه عليه وسلم مترجم عنها وناطق بلسانها ، فذكر رتبة الشفاعة والمقام المحمود ، فالفخر للرتبة ولا فخر بالذات إلا للّه وحده ، فلم تحكم فيه المرتبة ، وقال في كل وقت وهو في مرتبة الرسالة والخلافة « إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » ، فلم تحجبه المرتبة عن معرفة نشأته ، وسبب ذلك أنه رأى لطيفته ناظرة إلى مركبها العنصري وهو متبدد فيها ، فشاهد ذاته العنصرية ، فعلم أنها تحت قوة الأفلاك العلوية ، ورأى المشاركة بينها وبين سائر الخلق الإنساني والحيواني والنبات والمعادن ، فلم ير لنفسه من حيث نشأته العنصرية فضلا على كل من تولد منها ، وأنه مثل لهم وهم أمثال له ، فقال : « إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » ثم رأى افتقاره إلى ما تقوم به نشأته من الغذاء الطبيعي كسائر المخلوقات الطبيعية ، فعرف نفسه فقال : [ يا أبا بكر ما أخرجك ، قال : الجوع ، قال : وأنا أخرجني الجوع ] فكشف عن حجرين قد وضعهما على بطنه يشد بهما أمعاءه - إشارة - كان عليه السلام نائب الحق ، فهو وجهه في العالم ، فكان الحق يقول له : « قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » أي استتر بعبوديتك ، ولا تظهر مكانتك عندي . واعلم أن جميع ما سوى اللّه يمكن حصرهم في الأجناس الآتية ، وهم الملك والفلك والكوكب والطبيعة والعنصر والمعدن والنبات والحيوان والإنسان ، وما من صنف ذكرناه من هؤلاء الأصناف إلا وقد عبد منهم أشخاص ، فمنهم من عبد الملائكة ، ومنهم من عبد الكواكب ، ومنهم من عبد الأفلاك ، ومنهم من عبد العناصر ، ومنهم من عبد الأحجار ، ومنهم من عبد الأشجار ، ومنهم من عبد الحيوان ، ومنهم من عبد الجن والإنس ، فالمخلص في العبادة التي هي ذاتية له أن لا يقصد إلا من أوجده وخلقه ، وهو اللّه تعالى ، فتخلص له هذه العبادة ولا يعامل بها أحدا ممن ذكرناه ، أي لا يراه في شيء فيذل له ، واعلم أنه ما من شيء في الكون إلا وفيه ضرر ونفع ، فاستجلب بهذه الصفة الإلهية